نزول آية التطهير في نساء النبي لسياق الآيات
السؤال
هل نزلت آية التطهير في أزواج النبي (ص) شمولاً أو اختصاصاً بسبب سياق الآيات التي تتناول نساء النبي؟
نصّ الشبهة
زعم بعض المخالفين أن آية التطهير {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وآله أو أنها تشملهن بالضرورة، مستدلين بسياق الآيات التي سبقتها ولحقتها في سورة الأحزاب والتي جاءت في خطاب نساء النبي.
خلاصة الجواب
الادعاء بأن سياق سورة الأحزاب الموجه لنساء النبي يدل على دخولهن في آية التطهير، وعدم اختصاصها بأصحاب الكساء.
الردود العلمية (١)
إثبات اختصاص آية التطهير بأصحاب الكساء من مصادر علماء أهل السنة
المقدمة
حاول البعض إدخال أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) في آية التطهير {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب: 33] استناداً للسيّاق القرآني. إلا أن الأدلة الحديثية الصريحة وقواعد اللغة العربية وأقوال كبار المفسرين والمحدثين من أهل السنة تثبت اختصاص الآية ب الخمسة أصحاب الكساء: (النبي محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام).
---
أولاً: أسباب النزول وأحاديث الكساء
أكدت الأحاديث الصحيحة المتواترة أن الآية نزلت حصراً في أصحاب الكساء:
- حديث أم سلمة (رضي الله عنها): صرّحت بوضوح أن الآية نزلت في بيتها، وعندما سألت النبي (ص): «مَا أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟» قال لها: «إنَّكِ إِلى خَيْرٍ، إنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ نَبِيِّ اللَّهِ» وأدخل تحت الكساء علياً وفاطمة والحسن والحسين فقط. (رواه الحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين، وابن عساكر، والترمذي).
- مواظبة النبي على التنبيه: روى أنس بن مالك وأبو الحمراء أن النبي (ص) كان يمر بباب فاطمة (عليها السلام) شهوراً عند صلاة الفجر ويقول: «الصَّلاةَ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}».
---
ثانياً: الدليل اللغوي والبلاغي (الاعتراض وتغيير الضمير)
استدل العلماء بوجوه لغوية وبلاغية على انقطاع السياق وتخصيص الخطاب:
* تغيير الضمير: جاء الخطاب قبل الآية وبعدها بضمير الجمع المؤنث (عنكنّ، بيوتكنّ)، بينما جاء في آية التطهير بضمير الجمع المذكر (عنكم، ويطهركم). هذا الانتقال يدل على انتقال الخطاب لمجموع المذكر والمؤنث أو المذكر تحديداً.
* أسلوب الاعتراض في القرآن: أوضح الحافظ نجم الدين الطوفي الحنبلي وقاضي القضاة أبو المحاسن الحنفي أن اعتراض جملة أجنبية بين أجزاء الكلام أسلوب بلاغي شائع في القرآن والعربية، وأن آية التطهير جاءت اعتراضاً واستئنافاً لتشريف أهل البيت وترفيع مقدراهم.
---
ثالثاً: أقوال كبار علماء ومفسري أهل السنة
* الحافظ الطحاوي (شرح مشكل الآثار): قرر أن المرادين بالآية هم رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين دون من سواهم، وأن استبعاد أم سلمة دليل على عدم دخول الأزواج فيها.
* الحافظ ابن حجر الهيتمي (الصواعق المحرقة): صرح بأن «أكثر المفسرين على أنها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين لتذكير الضمير (عنكم)».
* الحافظ ابن حجر العسقلاني (فتح الباري): أشار إلى أن مرجع أهل البيت النبوي يعود إلى خديجة وأصحاب الكساء.
* القرطبي (المُفهم): أكد أن قراءة النبي للآية وتغطيتهم بالمرط دليل على أن المعنيين هم المغطون في ذلك الوقت، والتطهير هو التنزه عن خساسة الأخلاق وصيانتهم عن الرجس.
* ابن عطية الأندلسي والشوكاني وابن الوزير اليماني: نقلوا إجماع وجمهور أهل البيت والصحابة على اقتصار الآية على الخمسة المذكورين في حديث الكساء.
الآيات المستدل بها
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾
آل عمران : 61 — استدلال الطوفي بحادثة المباهلة على تحديد أهل البيت بالخسة المذكورين.
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾
الأحزاب : 33 — آية التطهير المعنية بالبحث والدلالة على عصمة أصحاب الكساء.
الأحاديث المستدل بها
«صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أشهر، كان إذا أصبح، أتى باب فاطمة عليها السلام، فقال: «السلام عليكم أهل البيت، {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}»»
أبو الحمراء • شرح مشكل الآثار للطحاوي (775) • حسن
«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج لصلاة الفجر يقول: «الصلاة يا أهل البيت، {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}»»
أنس بن مالك • شرح مشكل الآثار للطحاوي (774) • صحيح
«عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: فِي بَيْتِي نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي»، قَالَتْ أمُ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّكِ أَهْلِي خَيْرٌ وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي»»
أم سلمة • المستدرك على الصحيحين للحاكم (3558) • صحيح على شرط الشيخين
المراجع الأصلية
- نيل الأوطار— الشوكانيج 4(375)
- النكت والعيون (تفسير الماوردي)— الماورديج 4(401)
- تفسير البغوي (معالم التنزيل)— البغويج 3(562)
- الصواعق المحرقة— ابن حجر العسقلانيج 2(421)
- المستدرك على الصحيحين— الحاكم النيسابوريج 2(480)
- شرح مختصر الروضة— نجم الدين الطوفي الحنبليج 3(110-111)
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري— ابن حجر العسقلانيج 8(527)
- الإتقان في علوم القرآن— جلال الدين السيوطيج 6(2056)
- شرح مشكل الآثار— الحافظ الطحاويج 2(235-248)
- المُفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم— القرطبيج 6(302-303)
- كشف المشكل من حديث الصحيحين— ابن الجوزيج 4(418)
- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز— ابن عطية الأندلسيج 8(13)
- أحكام القرآن— ابن العربي المالكيج 3(1538)
- المعتصر من المختصر من مشكل الآثار— أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفيج 2(266-267)
- العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم— ابن الوزير اليمانيج 9(58-59)
- الهداية إلى بلوغ النهاية— مكي بن أبي طالب القيسيج 9(5834)
- الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين— ابن عساكر(101-102)
آية التطهير نزلت لوحدها في أهل البيت عليهم السلام – Waad Allalmi