أسباب الدفن السرّي للسيدة فاطمة الزهراء (ع) وإخفاء قبرها
السؤال
لماذا أُوصت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بأن تُدفن ليلاً وسرّاً وألا يشهد جنازتها من ظلمها؟
نصّ الشبهة
يشكك البعض في الروايات التاريخية التي تذكر وصية السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بالدفن السرّي ليلاً وعدم حضور من ظلمها لمراسم تشييعها والصلاة عليها، ويرون أن وفاتها كانت طبيعية وعادية دون موقف احتجاجي وسياسي واضحة معالمه.
خلاصة الجواب
بيان تفاصيل الأحداث التاريخية والوصايا التي أعلنتها السيدة فاطمة الزهراء (ع) قبل وفاتها، والتي قضت بتجهيز نعش خاص لها، ودفنها سرّاً في هزيع من الليل، ومنع ظالميها من تشييعها أو الصلاة عليها، وموقف أمير المؤمنين (ع) الحاسِم في حماية قبرها من النبش.
الردود العلمية (١)
الساعات الأخيرة في حياة فاطمة الزهراء (ع): الوصية، التشييع السرّي، ورسالة الاحتجاج الخالدة
المقدمة ورؤيا الرحيل
كانت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في أيّامها الأخيرة طريحة الفراش من شدّة ما ألمّ بها من علل وأحزان بعد وفاة أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله). وفي يوم ارتحالها، رأت أباها (ص) في المنام يبشرها بقرب اللحوق به قائلاً: «هلمّي إليّ يا بُنَيَّة فإنّي إليك مشتاقٌ... أنتِ الليلةَ عندي». واستيقظت مطمئنة لصدق الرؤيا، فقامت متكئة وعمدت إلى غسل ثياب أطفالها وغسل رؤوسهم تحضيراً ليتِمهم وشيك الوقوع.
وصية الزهراء (ع) لأمير المؤمنين (ع)
حين دخل الإمام علي (عليه السلام) ووجدها خارج فراشها تمارس مهام البيت، استفسر منها، فأخبرته بقرب أجلها ونعت نفسها إليه. ثم طلبت أن يخلوا ليتصارحا بالمُصاب، وقالت له:
> «يابن عمّ ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني؟»
فأجابها الإمام (ع):
> «معاذ الله أنتِ أعلم بالله، وأبرّ وأتقى وأكرم وأشدّ خوفاً من الله من أن أُوبّخكِ بمخالفتي...»
ووضعت بين يديه وصاياها الحاضرة:
- مراعاة اليتيمين (الحسن والحسين) وعدم الصياح في وجههما.
- الدفن السرّي والليليّ: «اُوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني فإنّهم عدوّي وعدوّ رسول الله، ولا تترك أن يصلّي عليَّ أحد منهم ولا من أتباعهم، وادفني في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار».
- إخفاء موضع القبر وعفاء أثره احتجباً عن الظالمين.
- الغسل والتحنيط: غسلها دون كشفها، وتحنيطها بفاضل حنوط النبي (ص).
كما جاء في وصية مكتوبة رواها ابن عباس تأكيدها على التوحيد والنبوة والبعث، وأن يتولى علي (ع) غسلها وتكفينها ودفنها ليلاً دون إعلام أحد.
إحداث أول نعش في الإسلام
قالت السيدة فاطمة (ع) لأسماء بنت عميس إنها تستقبح ما يُصنع بالنساء عند حملهن على الجنازة حيث يصف الثوبُ جسد المرأة. فصنعت لها أسماء نعشاً مغطى كالسَّرير ومجللاً بالثوب كما رأت في أرض الحبشة، فاستحسنته الزهراء (ع) لِما فيه من الستر والفضيلة، فكان أول نعش أُحدث في الإسلام.
اللحظات الأخيرة والشهادة
عند احتضارها، أرسلت بنتيها زينب وأم كلثوم إلى بعض بني هاشم رفقاً بهما. وطلبت من أسماء بنت عميس حنوط أبيها الذي أتى به جبرئيل (ع)، وتوضأت وتطيبت وتسجّت بثوبها، وطلبت من أسماء أن تنتظر هنيئة وتدعوها، فإن لم تجب فقد لاقت ربها. فلما دعتها أسماء لم تُجب، فكشفت الثوب فإذا بها قد فاضت روحها الشريفة.
وعاد الحسن والحسين (عليهما السلام) وأُخبرا برحيل أمهما، فألقيا أنفسهما عليها يبكيان، ثم أسرعا لإعلام الإمام علي (ع) في المسجد، فخرّ صريعاً لمصابه، وارتفعت الضجة والبكاء في المدينة المنورة.
التشييع والدفن السرّي ليلاً
اجتمع الناس يترقبون خروج الجنازة للصلاة عليها، فخرج أبو ذر الغفاري (رض) وأعلمهم بأنّ إخراجها قد أُخِّر. وحين أقبل أبو بكر وعمر يطلبان الصلاة عليها، تفرّق الناس ظانين أن التشييع سيكون صباح الغد.
ولكن الإمام علي (ع) تنفيذاً للوصية الإلهية والتاريخية الصارمة، قام بغسلها وتكفينها بمساعدة أسماء، ودعا أطفالها ليتزوّدوا منها، ثم صلّى عليها بمشاركة الخلّص من أهل البيت وخيار الصحابة (مثل العباس، والفضل، وعقيل، وسلمان، وأبي ذر، والمقداد، وبريدة، وعمار).
ودُفنت الزهراء (ع) في الليل سرّاً، وسُوِّي قبرها حتى لا يُعرف موضعه.
تأبين أمير المؤمنين (ع) وموقفه من نبش القبور
وقف الإمام علي (ع) على قبر النبي (ص) مؤبِّناً بكلمات تُجلّي حجم المصاب وغصب الحقوق، ومما قال:
> «ستنبئك ابنتك بتضافر اُمّتك عليَّ، وعلى هضمها حقّها فأحفها السؤال، واستخبرها الحال... فبعين الله تدفن ابنتك سرّاً، ويهتضم حقّها قهراً، ويمنع إرثها جهراً...»
وفي الصباح، لما علم الناس بالدفن السرّي، حاول القوم البحث عن القبر ونبش القبور المعفّاة لإخراج الجنازة والصلاة عليها بزعمهم، فلبس الإمام علي (ع) قباء الحرب، وحمل سيفه ذو الفقار، وأقسم لئن حُوّل حجرٌ من هذه القبور ليضعَنّ السيف في رقاب الآمرين، فتراجع القوم ولُجمت محاولتهم.