استبعاد غيبة الإمام المهدي (عج) وطول عمره وخفاء أمره
السؤال
كيف يمكن تصديق غيبة الإمام المهدي (عج) وخفاء ولادته وطول عمره واختلاف الناس فيه؟ أليست هذه أموراً مستبعدة وخارقة للعادة لم يسبق لها نظير في تاريخ الأنبياء؟
نصّ الشبهة
يتوهم البعض أن ما يُعتقد في الإمام المهدي (عجل الله فرجه) من طول الغيبة، وخفاء الولادة، والعودة بشباب بعد كبر السن، واختلاف الأمة فيه بين من ينكر ولادته أو يدعي موته، هي أمور مقتطعة من الخيال وغير مألوفة، وتخالف السنن الإلهية الجارية في حجج الله.
خلاصة الجواب
دعوى استبعاد غيبة الإمام المهدي (عج) وصفاته وسننه بدعوى أنها أمور غير مألوفة وتخالف سير الأنبياء والحجج السابقين.
الردود العلمية (١)
سنن الأنبياء وجريانها في غيبة الإمام القائم (عجل الله فرجه الشريف)
مقدمة
تؤكد النصوص الروائية الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن ما يجري على الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) من غيبة، وخفاء ولادة، وطول عمر، واختلاف الناس فيه، ليس أمراً مبتدعاً ولا خارجاً عن منطق السنن الإلهية، بل هو تكرار لسنن جرت في الأنبياء والرسل السابقين (صلوات الله عليهم).
الشبه من النبي صالح (عليه السلام): الغيبة والتمحيص
روى الإمام الصادق (عليه السلام) أن النبي صالحاً (عليه السلام) غاب عن قومه زماناً، ولما رجع إليهم تبيّن أن الناس انقسموا تجاهه إلى ثلاث طبقات:
- الجاحدون: الذين كفروا به ونفروا منه شديد النفور.
- الشاكون: الذين جحدوا صورته وشتموه وزجروه.
- أهل اليقين: الذين ثبتوا واستدلوا بالعلائم والدلائل الإلهية وعلموا أن الله يحوّل في الصور كيف يشاء، فآمنوا به واهتدوا.
وهذا يمثل أنموذجاً واضحاً لتمحيص الأمة واختبار يقينها أثناء الغيبة والرجوع.
السنن الأربع من الأنبياء الأربعة
عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «فِي صَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ أَرْبَعُ سُنَنٍ مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْبِيَاءَ»:
* من موسى (عليه السلام): خَائِفٌ يَتَرَقَّبُ (التحفظ والخوف من الأعداء).
* من يوسف (عليه السلام): السِّجْنُ (الاستتار والغيبة عن العامة والخاصة).
* من عيسى (عليه السلام): يُقَالُ إِنَّهُ مَاتَ وَلَمْ يَمُتْ (اختلاف الناس في حياته وموته).
* من محمد (صلى الله عليه وآله): السَّيْفُ (القيام بالحق ومحاربة أعداء الله).
الشبه من الرسل الخمسة
وفي حديث آخر عن الإمام الباقر (عليه السلام) يبيّن فيه الشبه بخمسة من الرسل:
* يونس (عليه السلام): الرجوع من الغيبة بزي الشباب بعد كبر السن.
* يوسف (عليه السلام): الغيبة عن الخاصة والعامة وخفاء الأمر حتى على أقرب الناس إليه مع قرب المسافة.
* موسى (عليه السلام): دوام الخوف، وطول الغيبة، وخفاء الولادة، وما يلحق شيعته من الأذى والهوان إلى أن يأذن الله بالفرج والنصر.
* عيسى (عليه السلام): اختلاف الناس فيه بين من يقول لم يولد، أو مات، أو قُتل وصُلب.
* النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله): الخروج بالسيف وقتل أعداء الله وتطهير الأرض.
الخلاصة
إن الغيبة وما يرافقها من مظاهر لدى الإمام المهدي (عج) هي امتداد للسنن الإلهية التي جرت في الأنبياء والرسل السالفين، والاستدلال بغيباتهم وأحوالهم يقطع الطريق على استبعاد الجاهلين ويؤكد حكمة الله تعالى في حجة عصره.
الآيات المستدل بها
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾
الأعراف : 76 — موقف المكبرين الشكاك والجحاد من قوم صالح
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾
الأعراف : 75 — استشهاد أهل اليقين من قوم صالح ببعثته وإيمانهم به
الأحاديث المستدل بها
«إِنَّ صَالِحاً ع غَابَ عَنْ قَوْمِهِ زَمَاناً وَ كَانَ يَوْمَ غَابَ عَنْهُمْ كَهْلًا... فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ لَمْ يَعْرِفُوهُ بِصُورَتِهِ... وَ إِنَّمَا مَثَلُ عَلِيٍّ وَ الْقَائِمِ مَثَلُ صَالِحٍ عليه السلام.»
زيد الشحام عن الإمام الصادق (عليه السلام) • إكمال الدين / بحار الأنوار ج 51 ص 216
«إِنَّ فِي الْقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله شَبَهاً مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الرُّسُلِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى وَ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى وَ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ...»
محمد بن مسلم عن الإمام الباقر (عليه السلام) • إكمال الدين / بحار الأنوار ج 51 ص 217
«فِي صَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ أَرْبَعُ سُنَنٍ مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْبِيَاءَ سُنَّةٌ مِنْ مُوسَى وَ سُنَّةٌ مِنْ عِيسَى وَ سُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ وَ سُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ...»
أبو بصير عن الإمام الباقر (عليه السلام) • إكمال الدين / الغيبة للطوسي / الإمامة والتبصرة
المراجع الأصلية
- الإمامة والتبصرة من الحيرة— ابن بابويه القمي
- إكمال الدين وإتمام النعمة— الشيخ الصدوق
- بحار الأنوار— العلامة المجلسيج 51(216)
- الغيبة— الشيخ الطوسي