الاعتراض على قول «اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيراً» في صلاة الميت والشهادة للمتوفى
السؤال
هل يصح قول «اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيراً» في صلاة الجنازة والشهادة للميت بالخير، أم يُعدّ ذلك شهادة بغير علم أو كذباً؟
نصّ الشبهة
يشكك البعض في مشروعية وترديد عبارة «اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيراً» أثناء صلاة الجنازة وعند تشييع الميت، بدعوى أن الناس لا يعلمون سرائر غيرهم، أو الادعاء بقلة الورود الروائي لهذه الصيغة.
خلاصة الجواب
الشبهة تدور حول التشكيك في جواز ومشروعية قول «اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيراً» والشهادة للميت بالخير عند الصلاة عليه.
الردود العلمية (١)
مشروعية قول «اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيراً» والشهادة للمؤمن بالخير بعد موته
المقدمة
استقرت السيرة العقلائية والنصوص الروائية المستفيضة لدى عامة المسلمين، وخاصة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، على استحباب الشهادة للمؤمن المتوفى بالخير، وقول المصلي في التكبيرة الرابعة من صلاة الجنازة: «اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيراً وأنت أعلم به منا».
أولاً: الأحاديث الشريفة عن أهل البيت (عليهم السلام)
تواترت الأحاديث عن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) في حث المؤمنين على الشهادة لأخيهم الميت بالخير، وبيان الأثر العظيم لهذه الشهادة عند الله تعالى:
قبول شهادة المؤمنين: ورد في الكافي وتهذيب الأحكام ووسائل الشيعة* عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إذا مات المؤمن وحضر جنازته أربعون رجلاً من المؤمنين فقالوا: اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيراً وأنت أعلم به منا، قال الله تبارك وتعالى: قد قبلت شهادتكم وغفرت له ما لا تعلمون».
* الحكم بالظاهر: أجمع الفقهاء والمحدثون على أن العبد إنما يُشهد له بحسب ظاهره الإيماني وسلوكه الإسلامي، ولا يُكلف العباد بالتفتيش عن السرائر والغيبيات.
ثانياً: شواهد المسألة من مصادر الفريقين
تتفق مصادر الحديث عند الفريقين على أن ثناء المؤمنين على الميت بالخير سبب لمغفرة الله ورحمته:
- في الصحيحين ومسند أحمد: عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه مرت به جنازة فأثنى الناس عليها خيراً، فقال: «وجبت»، ثم مرت أخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: «وجبت»، فسئل عن ذلك فقال: «هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة... أنتم شهداء الله في الأرض».
- الاستدلال بالقرآن الكريم: يستدل العلماء بقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]، وبقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، حيث أقام الله الولاية بين المؤمنين وجعل شهادتهم في حق بعضهم مقبولاً ومجاباً تفضلاً منه ورحمة.
ثالثاً: دفع الشبهة وتفنيدها
* نفي الكذب: قول المصلي «لا نعلم منه إلا خيراً» يعني نفي العلم بالشر الظاهر، وليس ادعاءً بعصمة الميت أو الإحاطة الباطنة بجميع أفعاله، ولذا يُقرن الدعاء بعبارة «وأنت أعلم به منا»، وهو تفويض تام لعلم الله المحيط.
* التفضل الإلهي: إن قبول الله تعالى لهذه الشهادة ومغفرته للميت ليس لحجية الشهادة المجردة بذاتها، بل هو تفضل وإكرام من الله للمؤمنين المتضرعين وتغليب لجانب الرحمة والمغفرة.
الآيات المستدل بها
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
الحجرات : 13 — الاستدلال على المعرفة الظاهرية والتقوى بين المؤمنين.
الأحاديث المستدل بها
«مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: وجبت، قالوا: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض.»
أنس بن مالك • صحيح البخاري وصحيح مسلم • صحيح
«إذا مات المؤمن وحضر جنازته أربعون رجلاً من المؤمنين فقالوا: اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيراً وأنت أعلم به منا، قال الله تبارك وتعالى: قد قبلت شهادتكم وغفرت له ما لا تعلمون.»
الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) • الكافي، ج 3، ص 289 • معتبر
المراجع الأصلية
- صحيح البخاري— محمد بن إسماعيل البخاريج 1(48)
- المستدرك على الصحيحين— الحاكم النيسابوريج 1(239)
- صحيح مسلم— مسلم بن الحجاجج 2(833)
- بحار الأنوار— العلامة المجلسيج 81
- الكافي— الشيخ الكلينيج 3(289)
- وسائل الشيعة— الحر العامليج 7(125)
- تهذيب الأحكام— الشيخ الطوسيج 3(32)
- تفسير نور الثقلين— الشيخ الحويزيج 6(413)