الشبهة حول كفر أبي طالب (ع) وموته على الشرك
السؤال
هل مات أبو طالب (ع) كافراً كما تدعي بعض المرويات كحديث الضحضاح وآية النهي عن الاستغفار للمشركين؟
نصّ الشبهة
يزعم المخالفون أن أبا طالب عم النبي (ص) مات كافراً ولم يسلم، واستدلوا على ذلك بمرويات في صحيح البخاري تذكر أنه أبى أن يقول لا إله إلا الله عند موته، وأن آية النهي عن الاستغفار للمشركين نزلت فيه، إضافة إلى حديث الضحضاح الذي يدعي أنه في ضحضاح من نار.
خلاصة الجواب
ادعاء كفر أبي طالب يقوم على مرويات متناقضة وتاريخياً غير صحيحة، وتخالف صريح القرآن الكريم في عدم تخفيف العذاب عن الكفار، فضلاً عن مخالفتها للسيرة النبوية الصحيحة وأشعار أبي طالب ومواقفه وأفعال النبي (ص) معه.
الردود العلمية (١)
خلاصة الأدلة القطعية على إيمان أبي طالب (ع)
مقدمة
أجمعت الأدلة التاريخية والروائية والقرآنية على إيمان كافل النبي (ص) وحاميه أبا طالب (عليه السلام)، وتهافت الشبهات والمرويات المفتعلة التي طعنت في إيمانه لدوافع سياسية وعصبية.
أدلة إيمان أبي طالب (ع)
#### 1. بقاء زوجته المسلمة تحت عصمته
ثبت تاريخياً أن السيدة فاطمة بنت أسد (عليها السلام) كانت من أوائل المسلمات، واستمرت تحت عصمة أبي طالب حتى وفاته. ولو كان أبو طالب كافراً لوجب التفريق بينهما بموجب الأحكام الإسلامية والآيات القرآنية كقوله تعالى: {وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا} [البقرة: 221]، ولم يثبت أن النبي (ص) أو فاطمة بنت أسد أو الإمام علي (ع) طلبوا الفصل بينهما.
#### 2. تناقض وركاة مرويات البخاري في سبب نزول آية الاستغفار
يروي البخاري أن آية {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] نزلت عند وفاة أبي طالب بمكة (السنة 10 من البعثة). بينما الثابت تاريخياً ولدى المفسرين والبخاري نفسه في موضع آخر أن سورة براءة (التوبة) مدنية ومن أواخر ما نزل في السنة التاسعة للهجرة، أي بعد رحيل أبي طالب بنحو 12 سنة، مما يسقط الاحتجاج بهذه الرواية ويثبت استغفار النبي (ص) لعمه.
#### 3. سقوط حديث الضحضاح ومخالفته للقرآن الكريم
يروي البخاري أن أبا طالب في "ضحضاح من نار". وهذا الحديث يخالف صريح القرآن الكريم في قواعد العذاب والشفاعة للكفار؛ فالقرآن ينص بشكل قاطع على أن الكافر لا يُخفف عنه العذاب ولا تنفعه الشفاعة، كقوله تعالى: {فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 86]، وقيل: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48]. فإما أن يُرد الحديث أو تُرد الآيات المتواترة.
#### 4. معاملة النبي (ص) لأبي طالب معاملة المسلمين بعد وفاته
روى النسائي وابن سعد وغيرهما أن النبي (ص) لما أُخبر بموت أبي طالب بكى، وأمر الإمام علي (ع) قائلاً: "اذهب فاغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه". والتغسيل والتكفين والترحم أفعال لا تقع إلا على المسلم.
#### 5. إعلان عام الحزن
أعلن النبي (ص) العام الذي توفي فيه أبو طالب والسيدة خديجة (ع) "عام الحزن"، وسوّى بين مصابه بعمه ومصابه بزوجته خديجة. ولو كان أبو طالب كافراً لما حزن عليه النبي هذا الحزن ولما أطلق على عام وفاته عام الحزن.
#### 6. انطباق حديث "أنا وكافل اليتيم في الجنة"
صحّ عن النبي (ص) قوله: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذاوأشار بالسبابة والوسطى". ولا ريب أن النبي (ص) كان يتيم قريش، وكان أبو طالب هو كافله وحاميه وراعيه، فهو أحق من يدخل في عموم هذا الحديث الصحيح.
#### 7. أقوال ومواقف أبي طالب الدالة على إيمانه
خطب أبو طالب في زواج النبي (ص) بخديجة معلناً إيمانه بإله إبراهيم وإسماعيل (ع) وتوحيده لله. كما أمر ابنه علياً (ع) وابنه جعفراً (ع) باتباع النبي والصلاة معه قائلاً: "إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه".
#### 8. أشعار أبي طالب الصريحة بالإيمان
تواترت أشعار أبي طالب في نصره النبي والإقرار بنبوته، كقوله:
> وعرضت ديناً لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينا
وقوله:
> ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً ... نبياً كموسى خُطّ في أول الكتب
وقوله:
> وشقّ له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
وهذه الأشعار ناطقة بيقينه وإيمانه وإقراره بالنبوة والتوحيد.
الآيات المستدل بها
﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا﴾
البقرة : 221 — الاستدلال بها على حرمة بقاء المسلمة تحت المشرك، وبقاء فاطمة بنت أسد المسلمة مع أبي طالب ديل على إيمانه.
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾
الأنعام : 26 — رواية نزولها في نهي أبي طالب المشركين عن أذية النبي.
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾
البقرة : 86 — رد حديث الضحضاح بقرآنية عدم تخفيف العذاب عن الكافرين.
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾
التوبة : 113 — بيان أن الآية مدنية نزلت في السنة 9 هـ ولا علاقة لها بوفاة أبي طالب بمكة.
الأحاديث المستدل بها
«لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي (ص) وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال النبي (ص): أي عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله...»
سعيد بن المسيب عن أبيه • صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، ح 4398 • مطعون في صحته ومضمونه لتناقضه التاريخي
«أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا.»
سهل بن سعد • صحيح البخاري، ح 4998 • صحيح
«أخبرت رسول الله (ص) بموت أبي طالب فبكى، ثم قال: اذهب فاغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه.»
علي بن أبي طالب (ع) • خصائص أمير المؤمنين للنسائي / طبقات ابن سعد • صحيح ومقبول
«هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار.»
العباس بن عبد المطلب • صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، ح 3670 • مردود لمخالفته صريح الآيات القرآنية
المراجع الأصلية
- السيرة النبوية— ابن هشام الحميريج 1(247)
- صحيح البخاري— محمد بن إسماعيل البخاريج 5(208)
- البداية والنهاية— ابن كثيرج 4(134-135)
- فتح الباري شرح صحيح البخاري— ابن حجر العسقلانيج 7(148)
- شرح نهج البلاغة— ابن أبي الحديد المعتزليج 14(78)
- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد— الهيثميج 9(213)
- الطبقات الكبرى— محمد بن سعد البغداديج 1(125)
- خصائص أمير المؤمنين علي (ع)— النسائيج 1(38)
- البحر المحيط— أثير الدين الأندلسي (أبو حيان)ج 8(493)
- أسباب نزول القرآن— الواحديج 1(217-218)
- السيرة الحلبية— على بن برهان الدين الحلبيج 1(201-202)