القول بأن الله تعالى يقع في مكان أو جهة
السؤال
هل الله سبحانه وتعالى في مكان أو جهة كالسماء أو العرش كما يستدل البعض بظواهر الآيات؟
نصّ الشبهة
يتوهم البعض أن الله تعالى متحيّز في مكان أو مستقر على العرش، مستدلين بظاهر بعض الآيات القرآنية مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ وقوله: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾.
خلاصة الجواب
دعوى أن الله تعالى موجود في مكان أو جهة تحيط به، استناداً إلى الظاهر اللفظي لبعض الآيات القرآنية.
الردود العلمية (١)
إثبات تنزيه الله تعالى عن المكان والجهة والتأويل الصحيح للآيات
الدليل العقلي على نفي المكان عن الله تعالى
لو اعتقد المكلَّف بأن الله تعالى في مكان ما -وحاشاه- للزم من ذلك أن يكون سبحانه محدوداً؛ وذلك لأن المكان هو ما يحيط بالشيء ويحويه، وما أُحيط به عُقل أنه محدود بالضرورة لعلة الإحاطة وبيان الحجم والحد. والله سبحانه وتعالى مطلق لا يحاط به ولا يحده حد.
الدليل الروائي عن أهل البيت (عليهم السلام)
قد ورد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بيان هذه القاعدة العقائدية الصريحة، فقد روى الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال:
> «من زعم أن الله عز وجل من شئ أو في شئ أو على شئ فقد أشرك، ثم قال: من زعم أن الله من شئ فقد جعله محدثا، ومن زعم أنه في شئ فقد زعم أنه محصور، ومن زعم أنه على شئ فقد جعله محمولا».
التأويل اللغوي والقرآني للآيات المتشابهة
الآيات التي يُستدل بها على تجسيم المكان لها تأويلات سائغة في اللسان العربي، والقاعدة الأصولية تنص على أنه: «إذا تطرق الاحتمال بطل الاستدلال»:
- قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
المقصود بـ "العرش" هنا الملك والسلطان، وبـ "استوى" السيطرة والاستيلاء، أي: «على الملك احتوى وسيطر»، كقول الشاعر:
استوى بشرٌ على العراقِ من غيرِ سيفٍ ودمٍ مهراقِ
فليس المراد استقراراً مكانياً على كرسي أو جرم.
- قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16]
تأتي "السماء" في اللغة بمعنى السمو والعلو الاعتباري والمكانة لا المكان الفيزيائي.
- الرد بآيات مُحكمة أخرى:
قال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115]، مما ينفي الاختصاص بجهة أو مكان.
الضابطة في التأويل
إن اتباع ظواهر المتشابهات دون ردّها إلى المحكمات مسلك أهل الزيغ كما بينت الآية الكريمة: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ...﴾ [آل عمران: 7]. والواجب هو المرجعية المعرفية للراسخين في العلم، وهم أهل البيت (عليهم السلام) الذين يبينون محكم القرآن من متشابهه.
الآيات المستدل بها
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
البقرة : 115 — قرينة قرآنية تنفي التخصص بمكان أو جهة
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾
آل عمران : 7 — الاستدلال بها على ضابطة التأويل وضرورة إرجاع المتشابه إلى الراسخين في العلم
﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾
طه : 5 — استدلال المخالفين بها على الاستقرار مكاني وتفنيد ذلك بتأويل العرش بالملك والاستواء بالاستيلاء
﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾
الملك : 16 — استدلال المخالفين بها على الجهة وتأويل السماء بالسمو والمرتبة
الأحاديث المستدل بها
«من زعم أن الله عز وجل من شئ أو في شئ أو على شئ فقد أشرك، ثم قال: من زعم أن الله من شئ فقد جعله محدثا، ومن زعم أنه في شئ فقد زعم أنه محصور، ومن زعم أنه على شئ فقد جعله محمولا»
الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) • التوحيد - الشيخ الصدوق - الصفحة ٣١٧
المراجع الأصلية
- التوحيد— الشيخ الصدوق(317)