شبهة مبايعة الإمام علي بن الحسين ليزيد بن معاوية بصفة العبد
السؤال
هل أقر الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) ليزيد بن معاوية بأنه عبدٌ له كما ورد في بعض الروايات؟
نصّ الشبهة
الاستدلال برواية مروية في كتاب الكافي تذكر أن يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحج، وأرسل إلى رجل من قريش ثم إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) وطالبهما بالإقرار بأنهما عبيد له إن شاء باعهما وإن شاء استرقّهما، فرفض القرشي فقتله، بينما أجابه علي بن الحسين (ع): "قد أقررت لك بما سألت، أنا عبد مكره، فإن شئت فأمسك وإن شئت فبع".
خلاصة الجواب
يدعي المخالفون أن الإمام السجاد (عليه السلام) أقر ليزيد بن معاوية بالعبودية وبايعه خضوعاً وخوفاً، مستندين إلى رواية منسوبة في كتاب الكافي.
الردود العلمية (١)
التفنيد العلمي لشبهة إقرار الإمام السجاد بالعبودية ليزيد بن معاوية
أولاً: الجواب الحلي (ضعف الرواية واضطرابها تاريخياً ودلالياً)
- مخالفة الحقائق التاريخية المتواترة:
أجمع علماء التاريخ والحديث (كالعلامة المجلسي والمولى محمد صالح المازندراني) على أن هذه الرواية غريبة ومخالفة للمقطوع به تاريخياً؛ إذ إن يزيد بن معاوية لم يأتِ المدينة المنورة بعد توليه الخلافة أصلاً، ولا خرج من الشام حتى هلك. وذكر الأصوليون أن من علامات كذب الخبر أو خطأ الراوي عدم تواتر ما كان شأنه أن يتواتر كخبر سفر حاكم للحجاز.
- اشتباه الراوي وتناقض المتن:
رجّح الأعلام (كالمجلسي والمازندراني) وقوع السهو واشتباه الراوي بين شخص يزيد بن معاوية وبين قائده مسلم بن عقبة الذي أرسله لقتال أهل المدينة في واقعة الحرة. ومع ذلك فإن الرواية متناقضة، لأن مسلم بن عقبة لم يكن قرشياً ولا ينطبق عليه ما ورد في السياق.
- الثابت تاريخياً في موقف قائد الجيش من الإمام:
نقل المسعودي في مروج الذهب أن مسلم بن عقبة لما رأى الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) سقط في يديه وقام واعتذر منه وأكرمه، ولما سُئل عن سبب تبدّل موقفه من السب إلى التكريم قال: «ما كان ذلك لرأي مني، لقد مُلئ قلبي منه رعباً». مما ينفي دعوى الاستخفاف بالإمام أو إكراهه.
- المخالفة لمنهج وشعار أهل البيت (عليهم السلام):
يستحيل صدور مثل هذا الخضوع من ابن الحسين (عليه السلام) الذي رفع والده سيد الشهداء شعار: «والله لا أعطي بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد».
---
ثانياً: الجواب النقضي (إلزام الخصوم بممارسات بني أمية)
لو سلّمنا بوقوع أصل التهديد والإكراه من أزلام يزيد، فإن أخذ البيعة بالقوة وعلى العبودية كان سنة سيئة أقرها بنو أمية وشهدت بها كتب أهل السنة:
- ذكر الواقدي وابن كثير في البداية والنهاية أن مسلم بن عقبة دخل المدينة ودعا الناس لبيعة يزيد على أنهم «خِوَل (عبيد) ليزيد بن معاوية، يحكم في دمائهم وأموالهم».
- أورد ابن حجر العسقلاني في الإصابة (6/232): «وبايع من بقي على أنهم عبيد ليزيد بن معاوية». فإن كان ثمة ذم، فهو متوجه للطغاة الذين استباحوا المدينة وأكرهوا المسلمين بالسيف، ولا يمس مقام أهل البيت (عليهم السلام) المكرهين على التقية.
الأحاديث المستدل بها
«عن بريد بن معاوية قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحج فبعث إلى رجل من قريش فأتاه فقال له يزيد: أتقر لي أنك عبد لي... ثم أرسل إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) فقال له: مثل مقالته للقرشي فقال له علي بن الحسين (عليهما السلام): أرأيت إن لم أقر لك أليس تقتلني كما قتلت الرجل بالأمس؟ فقال له يزيد لعنه الله: بلى فقال له علي بن الحسين (عليهما السلام): قد أقررت لك بما سألت أنا عبد مكره فإن شئت فأمسك وإن شئت فبع...»
بريد بن معاوية عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) • الكافي، ج 8، ص 234-235 • مضعّف ومضطرب تاريخياً عند العلماء
المراجع الأصلية
- شرح أصول الكافي— المولى محمد صالح المازندرانيج 12(320)
- الإصابة في تمييز الصحابة— ابن حجر العسقلانيج 6(232)
- البداية والنهاية— ابن كثير
- مروج الذهب— المسعودي
- الكافي— الشيخ الكلينيج 8(234-235)