شبهة مشاهدة النبي (ص) لزوجة زيد بن حارثة وزواجه منها
السؤال
هل نظر النبي (ص) إلى زينب بنت جحش وإعجابه بها كان سبباً في طلاقها من زيد وتزويجه منها كما ورد في بعض الروايات؟
نصّ الشبهة
استدل بعض المخالفين بحديث ورد في كتاب «تفسير القمي» مفاده أن النبي (ص) ذهب إلى منزل زيد بن حارثة، فرأى زوجته زينب بنت جحش وهي تسحق طيباً وكانت جميلة، فقال: «سبحان الله خالق النور وتبارك الله أحسن الخالقين»، ووقعت في قلبه موقعاً عجيباً، فلما علم زيد بذلك عرض طلاقها ليتزوجها النبي، فنزلت الآيات القاضية بزواجها منه. وادعوا أن هذا يقدح في خلق النبي وعصمته.
خلاصة الجواب
ادعاء أن النبي (ص) أعجب بزوجة زيد بن حارثة ووقعت في قلبه مما أدى لطلاقها وزواجه منها، بناءً على مرويات يُستغل ظاهرها للطعن في العصمة النبوية.
الردود العلمية (١)
التفنيد العلمي لشبهة نظر النبي (ص) إلى زينب بنت جحش وبيان مقاصد الآيات
المقدمة
تُعدّ قصة زواج النبي (صلى الله عليه وآله) من زينب بنت جحش بعد طلاقها من زيد بن حارثة من المواضيع التي استغلها أعداء الإسلام والمشككون للطعن في شخصية الرسول الأكرم وعصمته، مستندين إلى ظاهر بعض الروايات التاريخية أو التفسيرية. وينقسم الرد على هذه الشبهة إلى جواب حلي وجواب نقضي.
---
أولاً: الجواب الحلي (الرد العلمي والدلالي)
1. التفسير المعصوم (بيان الإمام الرضا عليه السلام)
ورد في كتاب «عيون أخبار الرضا» للشيخ الصدوق (ج٢ ص١٨٠) تفنيد دقيق لهذه الشبهة على لسان الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في مجلس المأمون العباسي:
* سبب التسبيح: إن النبي (ص) قصد دار زيد بن حارثة في أمر أراده، فرأى امرأته تغتسل، فقال: «سبحان الذي خلقك!». ولم يكن ذلك إعجاباً شهوانياً، بل كان تنزيهاً للبارئ عز وجل عن قول المشركين واليهود الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، فنزه الله أن يتخذ ولداً يحتاج إلى التطهير والاغتسال.
* ظن زيد وسوء الفهم: لما أخبرت المرأةُ زكداً بمجيء النبي وقوله، ظن زيد أن النبي قال ذلك لحسنها، فجاء إلى النبي وقال إن امرأته في خلقها سوء ويريد طلاقها، فقال له النبي: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ».
* ما أخفاه النبي في نفسه: كان الله قد أعلم نبيه بعدد أزواجه وأن زينب منهن، فأخفى النبي هذا العلم في نفسه خشية أن يقول المنافقون: «إن محمداً يقول لمولاه إن امرأتك ستكون لي زوجة»، فأنزل الله الآية لبيان الحقيقة وإبطال العادات الجاهلية في أدعياء الأبناء.
2. المناقشة السندية والنظرية لخبر «تفسير القمي»
لو افترضنا عدم ورود حديث الإمام الرضا (ع) والتزمنا بخبر تفسير القمي، فإن التعامل العلمي معه يكون كالتالي:
* الاستدلال العقلي بالمحكمات: ثبوت وجود الله وعدله ونبوة الأنبياء وعصمتهم بأدلة عقلية قطعية يقدم على خبر الآحاد. وأي خبر ظني ينافي أصل العصمة النبوية الثابتة قطعاً لا يُحتج به ولا يعطي القطع واليقين.
* إمكانية التأويل والتقية: خبر الآحاد الظني قابليته للتأويل والتقية قائمة، لا سيما مع موافقته لما شاع عند العامة.
* سياق النص نفسه ينفي الشبهة:
- النبي ذهب يسأل عن زيد لا عن زوجته («فأتى رسول الله منزل يسأل عنه»).
- عندما وقع بصره عليها بالصدفة، ذَكَر الله ومدح خلقه بالتسبيح، وهو أعلى درجات الإيمان.
- النبي لم يبقَ في المكان بل ارتحل فوراً إلى منزله («ثم رجع رسول الله إلى منزله»).
- عندما عرض عليه زيد طلاقها ليتزوجها النبي، رفض النبي ذلك حاسماً وقال: «اذهب فاتق الله وأمسك عليك زوجك».
---
ثانياً: الجواب النقضي (من مصادر المخالفين)
إذا حاول المخالفون التشنيع استناداً إلى هذه المفاهيم، فإن المبدأ ينقلب عليهم من واقع كتبهم وفقههم؛ فقد جاء في «تفسير القرطبي / الجامع لأحكام القرآن» (ج14 ص212) نقلاً عن أئمتهم:
> «العاشرة- إذا وقع بصره على امرأة وجب على زوجها طلاقها، وحل له نكاحها. قال ابن العربي: هكذا قال إمام الحرمين، وقد مضى ما للعلماء في قصة زيد من هذا المعنى».
فهؤلاء الذين يشنعون على الشيعة بسبب خبر ظني، قد بنى فقهاؤهم أحكاماً فقهية تجعل مجرد نظر النبي لامرأة موجباً لطلاقها من زوجها وتحليلها له!
---
الخلاصة
القصة القرآنية جاءت لتشريع قانون إسلامي يهددم الموروث الجاهلي الذي كان يعتبر المتبنى ابناً حقيقياً يحرم التزويج بطلاقته. والنبي (ص) تصرف بمنتهى العفة والتقوى، والتسبيح كان تنزيهاً لله تعالى، وما ورد من روايات ظنية يوهم خلاف ذلك إما محمول على أسباب النزول الصحيحة أو مدفوع بالدليل العقلي والجمالي لرسالة النبوة.
الآيات المستدل بها
﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾
الأحزاب : 38 — رفع الحرج عن النبي في تنفيذ ما فرضه الله عليه.
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾
يونس : 36 — الاستدلال بعدم كفاية الظن في الروايات الآحاد المنافية للعقل.
﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا ۚ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾
الإسراء : 40 — استشهد بها الإمام الرضا في رد زعم الشرك والتنزيه.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾
الكهف : 110 — بيان الجانب البشري والقدرة العاطفية المنسجمة مع التقوى والعصمة.
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾
الأحزاب : 37 — الآية الخاصة بزواج النبي (ص) من زينب بنت جحش بعد طلاقها من زيد.
﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾
الأحزاب : 4 — نفي تحريم أزواج الأدعياء وبيان بطلان التبني الجاهلي.
الأحاديث المستدل بها
«عن الإمام الرضا (ع) في مجالس المأمون: ان رسول الله (ص) قصد دار زيد بن حارثه بن شراحيل الكلبي في أمر اراده فرأى امرأته تغتسل فقال لها: سبحان الذي خلقك! وإنما أراد بذلك تنزيه الباري عز وجل عن قول من زعم أن الملائكة بنات الله...»
الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) • عيون أخبار الرضا - الشيخ الصدوق - ج٢ ص١٨٠ • مقبول/مأثور
المراجع الأصلية
- تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن)— القرطبيج 14(212)
- عيون أخبار الرضا— الشيخ الصدوقج 2(180)
- تفسير القمي— علي بن إبراهيم القميج 2(172)