شمول تعريف الصحابي للمخنثين والمعاصرين في العهد النبوي وعصر الصحابة
السؤال
كيف يُحكم بالعدالة المطلقة لجميع الصحابة وفق تعريف أهل السنة الذي يشمل كل من رأى النبي (ص) ولو لساعة، بينما ثبت تاريخياً وجود مخنثين ومعاصرين منحرفين في ذلك العصر؟
نصّ الشبهة
يعرّف جمهور علماء أهل السنة الصحابي بأنه «كل مسلم رأى النبي (ص) ولو ساعة». وهذا التعريف التوسعي يقتضي إدخال أفراد عاشوا في العهد النبوي أو رأوا النبي والتابعين وكانوا معروفين بالتخنث والانحراف الأخلاقي والمجون (مثل هيت، وطويس، ودلال)، مما يتناقض مع القول بالعدالة المطلقة والعمياء لجميع من سموا صحابة.
خلاصة الجواب
استعراض التعاريف التوسعية لمفهوم الصحابي عند أهل السنة ومقارنتها بالوجود التاريخي للمخنثين في العهد النبوي وعصر الصحابة للنقض على نقد نظرية عدالة جميع الصحابة.
الردود العلمية (١)
دراسة تاريخية ورجالية في تعريف الصحابي وظاهرة المخنثين في العصر الأول
أولاً: توسع أهل السنة في تعريف الصحابي
نصّ غير واحد من أعلام أهل الحديث والفقه على أن الصحابي هو كل من لقي النبي (ص) أو رآه وهو مسلم، ولو لساعة واحدة:
* الإمام أحمد بن حنبل والبخاري: نقلاً عن كشاف القناع للبهوتي (1/16-17): «أصحاب رسول الله (ص) كل من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه فهو من أصحاب».
* النووي: في شرح مسلم (16/85): «أن الصحيح الذي عليه الجمهور أن كل مسلم رأى النبي (ص) ولو ساعة فهو من أصحاب».
ثانياً: وجود المخنثين في العهد النبوي وعصر الصحابة
تثبت المصادر التاريخية واللغوية وجود أفراد اتصفوا بالتخنث والانحراف المجتمعي في المدينة المنورة والعصر الأول، ومنهم:
- هيت (أو ماتع): المخنث الذي كان يدخل على أمهات المؤمنين حتى نهى النبي (ص) عن دخوله لما وصف بَادِنَة بنت غيلان بن معتب بصفات عورات النساء (المحرر الوجيز لابن عطية، تفسير النور: 31).
- دلال (ناقد/نافذ أبوزيد): من مخنثي المدينة المشهورين والغواة، وكان يرمي الجمار بسكر سليماني زاعماً المكافأة لإبليس على حب الأبنة إليه (مجمع الأمثال للميداني 1/251، الوافي بالوفيات للصفدي 16/288).
- طويس: أحد أقدم المخنثين بالمدينة والشهيرين بالغناء والمجون مع معاصرته لعديد من الصحابة والتابعين.
ثالثاً: دلالة الحوادث التاريخية على نفي العدالة الشاملة
* يذكر المؤرخون حادثة خصاء مخنثي المدينة في عهد سليمان بن عبد الملك على يد عامله ابن حزم الأنصاري، وشملت جماعة منهم: (طويس، دلال، نسيم السحر، نومة الضحى، برد الفؤاد، ظل الشجر).
* تبيّن هذه النصوص التاريخية والحديثية واللغوية أن مجرد المعاصرة أو رؤية النبي (ص) أو التواجد في مجتمع الصحابة لا يقترن أوتوماتيكياً بالعدالة والتقوى، مما يؤكد أن تقييم الشخصيات يجب أن يخضع للميزان الشرعي والأخلاقي والسلوكي، وليس لمجرد الصحبة الزمانية أو الرؤية المجردة.
الآيات المستدل بها
﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
النور : 31 — تفسير قوله تعالى: (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ) والنهي عن دخول المخنثين المطلعين على عورات النساء.
الأحاديث المستدل بها
«نهي رسول الله (ص) عن دخول المخنث على النساء لما وصف بادنة بنت غيلان بن معتب بأنها تقبل بأربع وتدبر بثثمان.»
تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز) • صحيح ومشهور في السير والتفاسير
المراجع الأصلية
- تاج العروس من جواهر القاموس— المرتضى الزبيديج 5 / 28(243 / 500)
- الوافي بالوفيات— الصفديج 16(288)
- لسان العرب— ابن منظورج 3(208)
- كشاف القناع عن متن الإقناع— البهوتيج 1(16-17)
- شرح النووي على مسلم— النوويج 16(85)
- شرح نهج البلاغة— ابن أبي الحديد المعتزليج 7(213)
- مجمع الأمثال— الميداني النيسابوريج 1(251)
- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية— الجوهريج 1(281)
- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز— ابن عطية الأندلسي