شبهة نفي سماع الموتى والنبي والأئمة لسلام ودعاء الزائرين
السؤال
كيف يسمع النبي والأئمة (ع) سلام الزائرين وتوسل المتوسلين والله تعالى يقول: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} و{وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}؟
نصّ الشبهة
يستدلّ بعض المشككين بظاهر بعض الآيات القرآنية مثل قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} وقوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} على أن الموتى بجميع طبقاتهم لا يسمعون شيئاً، وينفون بناءً على ذلك إمكانية سماع النبي (ص) والأئمة (ع) لسلام الزائرين أو خطاب المتوسلين بها، معتبرين التوسل بهم أو زيارتهم ومخاطبتهم عبثاً لا أصل له.
خلاصة الجواب
ادعاء أن الآيات القرآنية تنفي مطلق السماع عن الموتى، وبالتالي لا يسمع النبي والأئمة (ع) نداء وزيارة المؤمنين.
الردود العلمية (١)
رد شبهة نفي سماع الموتى وإثبات سماع النبي والأئمة (ع) لسلام الزائرين
# رد شبهة نفي سماع الموتى وإثبات سماع النبي والأئمة (ع)
المقدمة
تتكرر الشبهة حول عدم إمكانية سماع الأموات للحي، بالاستدلال بظاهر بعض الآيات القرآنية. وعند التحقيق العلمي والتفسيري، يتضح أن هذه الاستدلالات قاصرة وتغفل عن سياق الآيات والمقاصد البلاغية، فضلاً عن مناقضتها للنصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة المتواترة عند الفريقين.
---
أولاً: المعنى البلاغي للآيات (التشابه والمجاز)
- سياق الآيات:
إن قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} (النمل: 80) وقوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} (فاطر: 22) وردت في سياق تشبيه الكفار المعاندين بالموتى وصم الآذان.
- وجه الشبه:
الكفار بحواسهم الظاهرة حيّون، لكنهم لا ينتفعون بالهدى ولا يستجيبون للحق، فشبّههم القرآن بالموتى وأهل القبور الذين انقطعت عنهم التكليفات والدنيا. فالمنفي هنا هو سماع الهداية والاستجابة للحق من قِبَل الكفار، وليس أصل إدراك الروح وسماعها.
---
ثانياً: شواهد قرآنية على سماع ونطق الموتى
* نداء الأنبياء لأقوامهم الهالكين:
نقل القرآن الكريم قول صالح (ع) لقومه بعد هلاكهم: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ...} (الأعراف: 79)، وقول شعيب (ع): {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي...} (الأعراف: 93). ومخاطبة الهالكين بعد موتهم دليل قاطع على سماعهم وإدراكهم.
* حياة الشهداء والأنبياء:
قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (آل عمران: 169). فإذا كان الشهداء أحياء فرحين يستبشرون، فالنبي الأعظم (ص) وأهل بيته (ع) أعلى رتبة وأعظم حظوة عند الله تعالى.
---
ثالثاً: الأدلة من السنة النبوية الشريفة
- خطاب النبي (ص) لأهل قليب بدر:
وقف النبي (ص) على قليب بدر بعد المعركة ونادى قتلى المشركين بأساميهم: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟» فقال له أصحابه: يا رسول الله أتنادي أقواماً قد جيفوا؟ فقال (ص): «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني» (صحيح البخاري وصحيح مسلم).
- السلام على أهل القبور:
شرع النبي (ص) لجميع المسلمين إذا دخلوا المقابر أن يقولوا: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين...»، ومخاطبة المعدوم أو من لا يسمع لغوٌ يتنزه عنه الشارع الحكيم.
- رد السلام من النبي (ص):
تواترت الأحاديث أن النبي (ص) تعرض عليه أعمال أمته ويسمع سلام من يسلم عليه، كقوله (ص): «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام».
---
رابعاً: روايات أهل البيت (عليهم السلام)
تضافرت الروايات الشريفة عن أئمة أهل البيت (ع) بأن الرسول (ص) والأئمة الطاهرين تعرض عليهم الأعمال ويسمعون سلام الزائرين من قريب وبعيد:
* عن الإمام الصادق (ع): «إن أحداً لا يسلم على رسول الله (ص) ولا على أحد من الأئمة (ع) إلا وصل إليه ذلك السلام».
* ورد في زياراتهم (ع): «أشهد أنك تشهد مقامي، وتسمع كلامي، وترد سلامي».
---
الخلاصة
الاستدلال بآيات نفي السماع عن الموتى لنفي سماع الرسول (ص) والأئمة (ع) استدلال باطل؛ لأن الآيات تشبه الكفار بالموتى في عدم الانتفاع بالهدى، بينما ثبت بالقرآن والسنة القطعية حياة الأنبياء والشهداء وسماع الموتى للخطاب والتسليم.
الآيات المستدل بها
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
فاطر : 22 — بيان الفرق بين المؤمن والكاَفر وتشبيه الكافر بمن في القبور.
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾
الأعراف : 79 — خطاب النبي صالح عليه السلام لقومه بعد هلاكهم.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾
النمل : 80 — تشبيه الكفار المعاندين الذين لا يستجيبون للحق بالموتى وصم الآذان.
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
آل عمران : 169 — إثبات الحياة البرزخية للشهداء عند الله تعالى.
الأحاديث المستدل بها
«ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني»
عبد الله بن عمر / أبا طلحة • صحيح البخاري وصحيح مسلم • صحيح
«ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام»
أبو هريرة • سنن أبي داود • صحيح
المراجع الأصلية
- سنن أبي داود— أبو داود السجستاني
- صحيح البخاري— محمد بن إسماعيل البخاري
- صحيح مسلم— مسلم بن الحجاج
- بحار الأنوار— العلامة المجلسي
- الكافي— الشيخ الكليني