استبعاد خروج علماء أهل السنة عن مذاهبهم واستشكال تقديم الصحابة لاجتهادهم على النصوص الصريحة
السؤال
كيف يُفسَّر تنحي الصحابة عن النص الإلهي في الإمامة؟ وهل يُعقل أن يقتنع كبار علماء أهل السنة (كشيخ الأزهر) بأدلة الإمامية ومذهب أهل البيت (ع)؟
نصّ الشبهة
يرى بعض المعترضين استبعاد اقتناع كبار علماء السنة الأعلام - مثل شيخ الجامع الأزهر - بصحة مذهب أهل البيت (ع) وأدلتهم الشيعية. كما يستشكلون كيفية وقوع الخلافة في غير علي (ع) إذا كانت النصوص متواترة وصريحة، ويرون في ذلك طعناً يمتنع تصديقه في الصحابة.
خلاصة الجواب
استبعاد تحول أعلام السنة إلى مذهب أهل البيت (ع)، والتسائل حول كيفية بيعة الصحابة لغير علي (ع) مع وجود النصوص الصريحة.
الردود العلمية (١)
حوار المراجعات واستبصار الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر الشريف
المقدمة والتأسيس للحوار
شهدت الساحة الإسلامية في أوائل القرن الرابع عشر الهجري حواراً علمياً نموذجياً يتسم بالنزاهة والموضوعية بين علمين بارزين:
- الشيخ سليم البشري: شيخ الجامع الأزهر وعمدة المحدثين والفقهاء المالكية في مصر.
- السيد عبد الحسين شرف الدين: العلامة والمحدث والزعيم الشيعي الكبير من لبنان.
نتج عن هذا اللقاء حوار خطي استمر مائة واثنتي عشرة (112) مراجعة، أُفردت لاحقاً في كتاب شريف وهو كتاب المراجعات.
---
المحاور الرئيسية للحوار وتفكيك الإشكالات
تدرّج الحوار العلمي في حسم كبريات المسائل الخلافية بناءً على الدليل والبرهان:
- عدم وجوب اتباع المذاهب الأربعة حصراً:
أوضح السيد شرف الدين أن التعبد بمذهب أهل البيت (ع) هو الأساس، وأن الأئمة من العترة هم ثقل رسول الله (ص) وسفن النجاة، ولا يوجد دليل شرعي يحصر الاجتهاد أو التعبد بالمذاهب الأربعة دون سواها، وهو ما أذعن له الشيخ البشري لرجاحة الحجة.
- فتح باب الاجتهاد وحجية مذهب العترة:
بيّن الحوار أن إغلاق باب الاجتهاد لم يستند إلى كتاب ولا سنة، وأن أدلة الكتاب (كآيات التطهير، والمودة، والمباهلة) والأحاديث المتواترة (كحديث الثقلين، والسفينة، وباب حطة) تفرض التمسك بأهل البيت (ع).
- تفسير موقف الصحابة وتأويلهم للنصوص السياسية:
أجاب السيد شرف الدين عن السؤال الأكبر: كيف عدل الصحابة عن النص في علي (ع)؟
- التأويل والتفريق بين العبادات والسياسة: كان فريق من الصحابة يتعبد بالنصوص المتمحضة للدين (كالصلاة والصوم)، بينما يجتهدون في الأمور المتعلقة بالسياسة والإمارة، ويرون لأنفسهم مسرحاً للرأي طلباً للمصلحة بحسب تقديرهم.
- أحقاد العرب وحسدهم: وُترت قريش والعرب بسيف علي (ع) في سبيل الله، فكرهت أن تجتمع في بني هاشم النبوة والخلافة، وتظافرت دواعي السياسة على إبعادها عنه ليتداولها الأحياء والقبائل.
- موقف الإمام علي (ع): آثر الإمام علي (ع) الكف عن طلب حقّه بالقوة المسلحة حرصاً على بيضة الإسلام، لاسيما مع ظهور النفاق وارتداد طوائف من العرب بعد وفاة النبي (ص)، فقعد في بيته واحتفظ بحقه بالاحتجاج السلمي دون شق عصا المسلمين.
---
النتيجة والإذعان للحق
بعد الغربلة والتمحيص للأدلة، تجلت الحقيقة للشيخ سليم البشري، وأعلن تصريحه النهائي المدوّن في المراجعة (111):
> "أشهد أنكم في الفروع والأصول على ما كان عليه الأئمة من آل الرسول... وكنتُ قبل أن أتصل بسببك على لبس فيكم لما كنت أسمعه من إرجاف المرجفين وإجحاف المجحفين، فلما تيسّر الله اجتماعنا أويت منك إلى علم الهدى ومصباح الدجى، وانصرفت عنك مفلحاً منجحاً..."
وأسفر هذا الحوار العلمي التاريخي عن استبصار شيخ الأزهر، وكان إيذاناً بفتح باب التقريب بين المذاهب وصدور فتوى الشيخ محمود شلتوت لاحقاً بجواز التعبد بالمذهب الإمامي.
الآيات المستدل بها
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾
التوبة : 101 — الاستدلال على وجود النفاق الخفي في أوساط بعض من عاش مع النبي (ص)
﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
التوبة : 97 — استدلال بالآية الكريمة على طبيعة أعراب ذلك العصر وعدم خضوعهم للحاق إلا بالقوة
الأحاديث المستدل بها
«إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي»
أكثر من عشرين صحابياً • كتب الصحاح والسنن • متواتر
المراجع الأصلية
- شرح نهج البردة— سليم البشري
- تحفة الطلاب لشرح رسالة الآداب— سليم البشري
- المراجعات— السيد عبد الحسين شرف الدين
- الاستئناس في بيان الأعلام وأسماء الأجناس— سليم البشري