المخنثون في العهد النبوي وإشكال تعريف الصحابة وعدالتهم
السؤال
كيف يُدَّعى ثبوت العدالة الشاملة لكل من رأى النبي (ص) وفق التعاريف المشهورة للصحابي، مع ثبوت وجود مخنثين في زمنه (مثل هيت وماتع) ينعتون النساء ونفاهم النبي (ص)؟
نصّ الشبهة
يحتج بعض الطاعنين والمستشكلين بالرويات المنقولة في أمهات كتب الحديث والتاريخ والسير حول وجود مخنثين (مثل هيت وماتع وهدم وأنة) في المدينة المنورة يدخلون على نساء النبي (ص)، فلما وُجد منهم وصفٌ تفصيلي لعورات النساء ومحاسنهن نفاهم النبي (ص) وحجبهم. والوجه في الشبهة هو التناقض بين القول الجازم بعدالة كل من رأى النبي (ص) وصحبه ولو لساعة، وبين وجود هؤلاء الأفراد ونفيهم وتجريدهم من التصرفات السوية والأخلاق الإسلامية.
خلاصة الجواب
إشكال يدور حول التناقض بين الشمولية في تعريف الصحابي وعدالة الجميع، وبين وجود أفراد مخنثين نفاهم الرسول (ص) لكشفهم عورات النساء وصفاتهن.
الردود العلمية (١)
دراسة روائية وتاريخية في قضية المخنثين ومفهوم الصحبة والعدالة
مقدمة
تزخر المصادر الحديثية والتاريخية عند أهل السنة بروايات صحيحة ومستفيضة تُثبت وجود عدد من المخنثين على عهد رسول الله (ص)، ومن أشهرهم: «هيت»، و«ماتع»، و«هدم»، و«أنة». وكان هؤلاء يدخلون بيوت أمهات المؤمنين ظناً أنهم من غير أولي الإربة من الرجال، حتى أبدوا معرفةً تفصيلية بدقائق محاسن النساء، فقرر النبي (ص) حجبهم ونفيهم خارج المدينة المنورة.
التناقض في تعريف «الصحابي» ومبدأ عدالة الجميع
- التعريف الموسع للصحابي:
تنص المصادر الحديثية (ككشاف القناع وشرح صحيح مسلم وغيرهما) على أن الصحابي هو «كل مسلم رأى النبي (ص) ولو ساعة أو يوماً». وبناءً على هذا التعريف الشامل، فإن المخنثين الذين عاصروا النبي (ص) ورأوه وآمنوا به يدخلون شكلياً في اسم الصحبة.
- تهافت قول «عدالة كل الصحابة»:
إن النفي النبوي لهؤلاء المخنثين إلى خارج المدينة (إلى الحمى أو صلصل أو البيداء أو خاخ) وحظر دخولهم البيوت يُعدّ دليلاً واضحاً على أن مجرد الرؤية والمعاصرة لا تضمنان العدالة ولا الفضل. وهذا ما ينسجم مع رؤية مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) التي تقرّ بأن الصحابة كغيرهم من البشر؛ فيهم العدول الصالحون وفيهم الفساق والمنافقون والمنحرفون، وأن الميزان الحقيقي هو التزام أحكام الله والتسلح بالتقوى.
تفاصيل الواقعة والتصرف النبوي
- سماع الوصف: دخل النبي (ص) على بيوت نسائه فسمع المخنث (هيت أو ماتع) يقول لعبد الله بن أبي أمية (أخي أم سلمة): «إن فتح الله عليكم الطائف غداً فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان...».
- حزم الرسول (ص): لما تبين للنبي (ص) أن هؤلاء يفطنون لأمر النساء ولا يقتصر أمرهم على مجرد اللين في القول بدون إربة، قال: «لا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكم»، ثم أمر بإخراجهم ونفيهم من المدينة تأديباً وحمايةً للمجتمع الإسلامي من التكشف وهتك الحرمات.
- عدم قتلهم واستثناء حاجتهم: لما استأذن بعض الحاضرين في قتل المخنث، منع النبي (ص) من قتله لأنه كان يصلي، وأذن له لاحقاً في المجيء يوم الجمعة يتصدق ويستطعم فقط لئلا يموت جوعاً، مما يبرز التوازن بين إقامة الحد والتأديب وبين الرحمة وحفظ الرمق.
الخلاصة
تُشكل هذه الحادثة دليلاً تاريخياً وحديثياً يوهن القول بإسباغ عصمة أو عدالة مطلقة على جميع من شاهد النبي (ص)، وتؤكد أن التشريع النبوي يُعامل الأفراد بناءً على أفعالهم وسلوكهم الفعلي لا على مجرد اللقاء والرؤية.
الآيات المستدل بها
﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
النور : 31 — استشهد بها العلماء في بيان استثناء من لا حاجة له ولا إربة في النساء، وكان يظن في أول الأمر أن هؤلاء المخنثين منهم حتى كشفوا عكس ذلك.
الأحاديث المستدل بها
«دخل علي النبي (ص) وعندي مخنث فسمعته يقول لعبد الله بن أبي أمية: يا عبد الله أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غداً فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال النبي (ص): لا يدخلن هؤلاء عليكن.»
أم سلمة • صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، ح4324 • صحيح
المراجع الأصلية
- الإصابة في تمييز الصحابة— ابن حجر العسقلانيج 6(440-442)
- السنن الكبرى— البيهقيج 8(390)
- صحيح البخاري— محمد بن إسماعيل البخاريج 5(156)
- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد— ابن عبد البرج 22(270-276)
- فتح الباري شرح صحيح البخاري— ابن حجر العسقلانيج 9(334-336)
- الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)— محمد بن أحمد القرطبيج 12(234-236)