الشبهة

تأويل وتبرير معنى كلمة (أهجر / يهجر) الصادرة في رزية الخميس

12 دقائق قراءة ٠ مشاهدةمتوسط١ ردّاً علمياً

السؤال

كيف يفسّر علماء أهل السنة كلمة (أهجر) أو (يهجر) التي قيلت بحق الرسول (ص) في حادثة رزية الخميس؟ وهل تصح محاولاتهم لتأويلها وإخراجها عن معاني الهذيان والفحش؟

نصّ الشبهة

يسعى شراح الحديث ومفسرو المخالفين إلى تخريج وتأويل اللفظة الصادرة في حق النبي (ص) يوم الخميس («أهجر» / «يهجر») بتأويلات شتى؛ كادعاء أنها قيلت على سبيل الاستفهام الإنكاري، أو أن قائلها كان حديث عهد بالإسلام، أو أنها لا تعني الهذيان والفحش والخلط، وذلك لتبرئة قائلها (عمر بن الخطاب ومن وافقه) من الإساءة للمقام النبوي الأقدس.

خلاصة الجواب

تحاول الشبهة التخفيف من قسوة الجسارة التي وقعت في رزية الخميس عبر تحريف المعنى اللغوي والحديثي للفظة (أهجر/يهجر) وتكلف التأويلات لنفي نسبة الهذيان والفحش عن النص.

الردود العلمية (١)

الرد 1

الرد الشامل على التأويلات الترقيعية للفظة (أهجر / يهجر) في رزية الخميس

الموقع الأصلي: موقع وعد العلمي12 دقائق

المقدمة

شكلت حادثة «رزية الخميس» حجة دامغة وموقفاً مفصلياً في تاريخ الأمة الإسلامية، حين منع القوم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كتابة الكتاب الذي يصمهم من الضلال أبداً. وكان أشنع ما صدر في ذلك المجلس قول القائل: «ما شأنه؟ أهجر؟» أو «إن رسول الله هجر / غلبه الوجع».

وقد سعى علماء أهل السنة وشارحو الصحاح إلى التكلف اللفظي والتأويلي لترقيع هذه الكلمة ومحاولة إبعاد معاني الهذيان والإفحاش عن قائلها، إلا أن مراجعة المعاجم اللغوية وأمهات كتب التفسير والحديث تُبطل هذه المحاولات وتثبت حقيقة المعنى الشنيع الذي أُطلق بحق النبي المعصوم (صلى الله عليه وآله).

---

أولاً: الدلالة اللغوية والتفسيرية الصريحة للفظة (هجر / أهجر)

أجمعت أمهات المعاجم اللغوية وكتب القراءات على أن الفعل (هَجَرَ) و(أَهْجَرَ) في مثل هذا المورد يعني الهذيان والكلام غير المنظم والتكلم بالفحش والخنا:

  1. ابن زنجلة في «حجة القراءات» (ص 489):

> «قَرَأَ نَافِع {سامرا تهجرون} بِضَم التَّاء وَكسر الْجِيم من ‌أَهجر يهجر إِذا هذى فَمَعْنَى تهجرون أَي تهذون، وَقَالُوا ‌أَهجر الْمَرِيض إِذا تكلم بِمَا لَا يفهم». وقال ابن عباس: «تأتون بالهجر والهذيان وما لا خير فيه».

  1. الزمخشري في «الفائق في غريب الحديث» (ج4 ص 93) و«الكشاف»:

> «هجر: قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم فِي مَرضه: ائْتُونِي أكتب لكم كتابا لَا تضلُّون بعده أبدا. فَقَالُوا: مَا شَأْنه ‌أَهجر؟ أَي أهذي، يُقَال: هجر يهجر هجراً إِذا هذى، وأهجر: أفحش».

  1. الخليل بن أحمد الفراهيدي في «كتاب العين»:

> «الهَجْرُ: هَذَيانُ المُبَرْسَمِ ودأبُه وشأنُه... أَهْجَر إهْجاراً أي أتى بالإفحاش والقول القبيح».

  1. ابن منظور في «لسان العرب» (ج5 ص 254):

> «وَفِي الْحَدِيثِ: قَالُوا مَا شَأْنُه ‌أَهَجَرَ؟ أَي اخْتَلَفَ كَلَامُهُ بِسَبَبِ الْمَرَضِ... وَالْهَجْرُ بالفتح: الهَذَيَانُ، والهُجْرُ بالضم: الفُحْشُ».

---

ثانياً: اعتراف العلماء باستحالة نسبة هذا المعنى للرسول (ص)

أقر علماء المخالفين بضرس قاطع أن نسبة «الهجر» أو «الهذيان» أو «الفحش» إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر مستحيل عقلاً وشرعاً، لكونه معصوماً في صحته ومرضه:

  • أبو العباس القرطبي في «المفهم»:

> «وُوُقُوعُ مِثْلِ هَذَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَالِ مَرَضِهِ أَوْ صِحَّتِهِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَفِظَهُ مِنْ حِينِ بَعَثَهُ إِلَى حِينِ قَبَضَهُ عَمَّا يُخِلُّ بِالتَّبْلِيغِ، أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}».

  • بدر الدين العيني في «عمدة القاري»:

> «نِسْبَةُ مِثْلِ هَذَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ عَنْهُ مستحيل؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ فِي كُلِّ حَالَةٍ فِي صِحَّتِهِ وَمَرَضِهِ».

  • القاضي عياض في «إكمال المعلم» وفي «مرآة الزمان»:

> «لا يصح أن يَهْجُرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معصوم».

---

ثالثاً: تهافت التبريرات والتأويلات المخالفة

أمام هذه الحقيقة الناصعة، اضطرب شراح الحديث في المحاولة لتبرئة القائل (عمر بن الخطاب):

  1. ادعاء الاستفهام الإنكاري:

تأول بعضهم مثل القاضي عياض والنووي والقرطبي أن الكلمة قيلت بالاستفهام الإنكاري («أَهَجَرَ؟») بمعنى: «أنكروا على من توقف في امتثال أمره وقالوا كيف تتوقفون أفتظنون أنه يهجر؟».

الرد: هذا التأويل تمحل ظاهر يخالف صريح الروايات الأخرى كقولهم «إن رسول الله يَهْجُر» بغير استفهام، وكذا قوله «غلبه الوجع وحسبنا كتاب الله»، والتنازع الذي وقع واللغط الذي أوجب طردهم من الحجرة الشريفة بقوله (ص): «قُومُوا عَنِّي».

  1. دعوى أن القائل حديث عهد بالإسلام:

مال العيني وغيره إلى القول بأن القائل كان حديث عهد بالإسلام ولا يعرف مقام النبي (ص)!

الرد: رد الملا علي القاري والعلماء هذا المهرب، إذ وثقت التواريخ والصحاح أن القائل والمتصدر للمنع هو عمر بن الخطاب ومعه كبار الحاضرين، ونسبته لجهال الأعراب محاولة مكشوفة للتغطية على الحقيقة التاريخية.

  1. دعوى المصلحة والاجتهاد:

زعم الملا علي القاري والخطابي أن عمر خشي أن يكتب النبي أموراً يعجزون عنها فيستحقون العقوبة!

الرد: كيف يكون الاجتهاد بمواجهة النص الصريح والنبي يقول: «أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً»؟ وهل يكون المكلَف أحرص على الأمة من نبيها المبعوث رحمة للعالمين؟

---

الخلاصة

تثبت النصوص اللغوية والتفسيرية والحديثية من مصادر أهل السنة أن كلمة (أهجر/يهجر) تعني صريح الهذيان والخلط والفحش. ومحاولات شراح الحديث صرف الكلمة عن ظاهرها ليست سوى اعتراف ضمني بفضاعة الجرم ومخالفته لصريح عصمة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).

الآيات المستدل بها

  • ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾

    المؤمنون : 67 — استشهاد المفسرين والمعجميين بالآية لبيان معنى (تهجرون/تهجرون) لغةً وأنها تأتي بمعنى الهذيان أو قول الفحش والخنا.

  • ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾

    النجم : 3 — استدلال العلماء على عصمة الرسول المطلقة وعادمية جواز تطرق الهذيان أو الهجر إلى كلامه شريفاً.

الأحاديث المستدل بها

  • «إِنِّي لَا أَقُولُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا إِلَّا حَقًّا»

    عبد الله بن عمرو بن العاص • سنن أبي داود وغيره • صحيح

  • «ائْتُونِي أكتب لكم كتابا لَا تضلُّون بعده أبدا. فَقَالُوا: مَا شَأْنه أَهجر؟»

    ابن عباس • صحيح البخاري وصحيح مسلم (حادثة رزية الخميس) • صحيح

المراجع الأصلية

معنى يهجر – Waad Allalmi