وجوب غسل الرجلين والابتداء بهما في الوضوء وبطلان المسح والابتداء من المرفقين
السؤال
كيف يستدل الإمامية على وجوب مسح الرجلين بدلاً من غسلهما وعلى الابتداء بالمرفقين في غسل اليدين من آية الوضوء والروايات؟
نصّ الشبهة
يدعي المخالفون أن قراءة النصب في قوله تعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ تقتضي عطف الرجلين على الوجوه والأيدي المغسولة فيجب غسلهما، وأن قراءة الكسر هي لمجرد الجوار. كما يستدلون بكلمة ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ على أن الغسل يبدأ من أطراف الأصابع وينتهي إلى المرافق، معتبرين طريقة الشيعة في الوضوء مخالفة للظاهر القرآني وللسنة.
خلاصة الجواب
إشكال حول كيفية الوضوء عند الإمامية بخصوص مسح القدمين وبداية غسل اليدين من المرافق، والزعم بأن الظاهر القرآني والسنة يوجبان غسل القدمين والابتداء من الأصابع إلى المرافق.
الردود العلمية (١)
الرد الإيجازي والاستدلالي على أحكام الوضوء الشرعي (مسح الرجلين والغسل من المرافق)
# دلالة آية الوضوء على مسح الرجلين والابتداء بالمرفقين
تعتمد الشيعة الإمامية في إثبات الوضوء الشرعي على الآية المباركة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]، وذلك من خلال الأوجه التالية:
أولاً: الاستدلال القراءاتي والنحوي على مسح الرجلين
- قراءة الجر (وَأَرْجُلِكُمْ): قراءة سبعية متواترة قرأ بها ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة. وتقتضي عطف (الأرجل) على (الرؤوس) الممسوحة، فتفيد وجوب المسح صراحة.
- رد شبهة الجوار: دعوى أن الجر جاء للمجاورة باطلة؛ لأن الخفض بالجوار معدود من اللحن وشاذ لا يصار إليه في كلام الله، ولا يكون إلا عند أمن الالتباس وبلا حرف عطف.
- قراءة النصب (وَأَرْجُلَكُمْ): تفيد المسح أيضاً، لأنها معطوفة على محل (برؤوسكم) وهو المفعولية والأصل فيه النصب.
- قاعدة إعمال الأقرب: لو اجتمع عاملان (فاغسلوا) و(وامسحوا) على معمول واحد (وأرجلكم)، فإن إعمال العامل الأقرب (وامسحوا) هو الأولى والأصح قواعدياً.
ثانياً: الاعترافات الفقهية والتفسيرية (التفسير الكبير للرازي)
نقل الفخر الرازي في تفسيره (ج 11 ص 305) عن جماعة من السلف كابن عباس، وأنس بن مالك، وعكرمة، والشعبي، والإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) قولهم بوجوب المسح. وأكد الرازي أن قراءتي الجر والنصب تجيزان الاستدلال على وجوب المسح، وأن أخبار الآحاد لا تملك نسخ القرآن.
ثالثاً: دلالة «إلى» في غسل اليدين
- الآية جاءت لبيان حدّ المغسول لا ابتداء الغسل.
- حرف (إلى) يأتي بمعنى المعية (مع)، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 2]، أي مع أموالكم.
- قد تأتي (إلى) بمعنى (من) كما ورد في صحيح البخاري عن عروة: «خَطَبَ عائِمَةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ» أي من أبي بكر.
رابعاً: شواهد مسح القدمين من كتب أ any أهل السنة
وردت أسانيد صحيحة في كتب السنة تثبت أن الوضوء المروي عن النبي ﷺ كان بالمسح:
- مصنف عبد الرزاق: عن ابن عباس: «الوضوء مسحتان وغسلتان».
- مجمع الزوائد للهيثمي ومصنف ابن أبي شيبة: عن عثمان بن عفان في صفة وضوء النبي ﷺ: «ومسح برأسه وظهر قدميه» (قال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله ثقات).
- مصنف ابن أبي شيبة: عن عبد الله بن زيد: أن النبي ﷺ «مسح برأسه ورجليه مرتين».
- مسند أحمد بن حنبل: عن أبي مالك الأشعري أنه توضأ للناس وضوء رسول الله ﷺ: «ومسح برأسه وظهر قدميه» (بإسناد صحيح).
الآيات المستدل بها
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾
النساء : 2 — شاهد لغوي على أن (إلى) تأتي بمعنى المعية (مع)
﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾
البقرة : 187 — شاهد لغوي على استعمال (إلى) بمعنى التحديد والغاية
﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾
آل عمران : 52 — شاهد لغوي على استعمال (إلى) بمعنى (مع)
﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا﴾
المائدة : 6 — آية تشريع الوضوء والتيمم
الأحاديث المستدل بها
«الْوُضُوءُ مَسْحَتَانِ وَغَسْلَتَانِ.»
ابن عباس • مصنف عبد الرزاق (رقم 55)
«رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ كَمَا تَوَضَّأْتُ... فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَظَهْرِ قَدَمَيْهِ.»
عثمان بن عفان • مصنف ابن أبي شيبة (رقم 56) ومجمع الزوائد (1/ 224) • رجاله ثقات / صحيح
«اجْتَمِعُوا أُصَلِّى بِكُمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ... فَدَعَا بِجَفْنَةٍ فِيهَا مَاءٌ فَتَوَضَّأَ... وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَظَهْرَ قَدَمَيْهِ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ»
أبو مالك الأشعري • مسند أحمد بن حنبل (رقم 23601) • إسناده صحيح / جيد
«أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ مَرَّتَيْنِ.»
عبد الله بن زيد • مصنف ابن أبي شيبة (رقم 57)
المراجع الأصلية
- صحيح البخاري— محمد بن إسماعيل البخاري
- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد— الهيثميج 1(224)
- مسند الإمام أحمد بن حنبل— أحمد بن حنبلج 1(340)
- السبعة في القراءات— ابن مجاهد(242)
- مفاتيح الغيب (تفسير الرازي)— فخر الدين الرازيج 11(305)
- المصنف— ابن أبي شيبة
- مصنف ابن أبي شيبة— ابن أبي شيبة