إنكار مشروعية التقية واتهام الشيعة بالانفراد بها
السؤال
هل التقية بدعة ومفهوم خاص بالشيعة ينفي الإيمان، أم أنها حكم شرعي ثابت مارسها الصحابة وعلماء أهل السنة؟
نصّ الشبهة
يدعي البعض أن التقية من بدع الشيعة ومظاهر النفاق، وأنها تتنافى مع الشجاعة والصدق في الدين، ويرفضون نسبة استخدام التقية إلى الصحابة والعلماء عند الخوف والضرورة.
خلاصة الجواب
استنكار استخدام التقية واعتبارها بدعة شيعية، في حين تنص المصادر القرآنية والحديثية والتاريخية عند أهل السنة على مشروعيتها واستخدام الصحابة وعلماء المذاهب لها حفظاً للدين والنفس.
الردود العلمية (١)
مشروعية التقية وثبوتها في كتاب الله وسنة نبيه وسيرة الصحابة والعلماء
أدلة مشروعية التقية من القرآن الكريم
تظافرت الآيات القرآنية على إباحة التقية عند الخوف والاضطرار، ومنها:
- سورة آل عمران (الآية 28): {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}.
- سورة غافر (الآية 28): {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ}.
- سورة النحل (الآية 106): {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}.
---
تعريف التقية عند علماء أهل السنة
عرف علماء السنة التقية بوضوح متفق مع ضوابط حفظ الضروريات الخمس (الدين، النفس، العقل، العرض، المال):
- السرخسي: "التقية: أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره، وإن كان يضمر خلافه".
- محمد رشيد رضا: "التقية: ما يقال أو يفعل مخالفاً للحق لأجل توقي الضرر".
- المراغي: "أن يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحق؛ لأجل التوقي من ضرر الأعداء يرجع إلى النفس أو العرض أو المال".
---
تطبيقات التقية عند الصحابة
تواترت الآثار في المصادر المعتمدة أن كبار الصحابة مارسوا التقية والمداراة:
- النبي الأكرم (ص): ألان الكلام لرجل الفحش اتقاءً لشرّه، كما في صحيح البخاري عن عائشة: "إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ".
- حذيفة بن اليمان: كان يحلف ويماري عثمان بن عفان اتقاءً لشر السلطة، وقال مقولته الشهيرة: "إِنِّي أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مَخَافَةَ أَنْ يَذْهَبَ كُلُّهُ" (المصنف لابن أبي شيبة، والمبسوط للسرخسي).
- أبو الدرداء: أثر عنه قوله: "إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ، وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ" (صحيح البخاري).
- أبو هريرة: صرح بكتمان جزء من أحاديث النبي خوف القتل: "حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِعَاءَيْنِ... وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ" (صحيح البخاري).
- عبد الله بن عمر: كان يصلي خلف عثمان أربع ركعات بالتمام تقية، وإذا خلا بنفسه قصرها ركعتين (صحيح مسلم).
- عبد الله بن عباس: استخدم التقية ولم يصرح أمام معاوية برأيه الفقهي والشخصي فيه (شرح معاني الآثار للطحاوي).
---
التقية عند التابعين وعلماء المذاهب والحديث
- عطاء بن أبي رباح: كان يصلي الظُهر والعصر إيماءً وهو جالس خوفاً من الحجاج والوليد بن عبد الملك عند تأخيرهما للصلاة (فتح الباري).
- التقية في محنة خلق القرآن: أجاب جماعة من كبار علماء أصحاب الحديث كـ أبي معمر الهذلي، وأبي نصر التمار، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني تقية وخوفاً من السيف، وعذرهم الذهبي وغيره بناءً على آية الإكراه.
- جواز السجود لغير الله والكفر الظاهري تقية: صرح ابن تيمية بجواز السجود للوثن أو الحكام ظاهراً مع إضمار السجود لله بالقلب إذا خاف الإنسان على نفسه أو ماله أو رزقه (مجموع الفتاوى 14/ 120 و1/ 372).
---
الخاتمة
تثبت النصوص القاطعة من القرآن والسنة وآثار الصحابة وفتاوى أئمة المذاهب أن التقية أصل شرعي عام رخص الله به للعباد لحفظ نفوسهم وأعراضهم وأموالهم من جور الظالمين وكيد الأعداء، وليست بدعة ولا اختصاصاً مذهبياً.
الآيات المستدل بها
﴿إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾
آل عمران : 28 — تشريع التقية عند الخوف من الأعداء أو سلاطين الجور.
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
النحل : 106 — ترخيص التلفظ بالكفر عند الإكراه مع اطمئنان القلب بالإيمان.
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾
غافر : 28 — الثناء القرآني على مؤمن آل فرعون لكتمانه إيمانه تقية.
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾
المائدة : 67 — استخفاء النبي ببعض الأوامر قبل نزول عصمته من الناس بحسب تفسير ابن قتيبة.
الأحاديث المستدل بها
«ائْذَنُوا لَهُ، فَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ - أَوْ بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ - فَلَمَّا دَخَلَ أَلاَنَ لَهُ الكَلاَمَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ مَا قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِي القَوْلِ؟ فَقَالَ: أَيْ عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ - أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ - اتِّقَاءَ فُحْشِهِ»
عائشة بنت أبي بكر • صحيح البخاري، ح 6131 • صحيح
«أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الْإِسْلَامَ... فَابْتُلِينَا حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلَّا سِرًّا»
حذيفة بن اليمان • صحيح مسلم، ح 149 • صحيح
«حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِعَاءَيْنِ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ»
أبو هريرة • صحيح البخاري، ح 117 • صحيح
المراجع الأصلية
- صحيح البخاري— محمد بن إسماعيل البخاريج 8(17)
- صحيح مسلم— مسلم بن الحجاج(312)
- مجموع الفتاوى— ابن تيميةج 14(120)
- الجامع لأحكام القرآن— القرطبيج 5(315)
- المبسوط— السرخسيج 24(46)
- سير أعلام النبلاء— شمس الدين الذهبيج 11(73)
- المصنف— ابن أبي شيبةج 6(474)
- فتح الباري— ابن حجر العسقلانيج 16(215)