ادعاء كتابة معاوية للوحي وثبوت الفضيلة والعدالة له بذلك
السؤال
هل تثبت لـ معاوية بن أبي سفيان فضيلة خاصة وعدالة مطلقة بكونه من كتاب الوحي؟
نصّ الشبهة
احتج بعض أهل السنة بروايات - كما في كتاب السنة للخلال - تجعل من ينفي عن معاوية بن أبي سفيان صفة "كاتب الوحي" أو "خال المؤمنين" صاحب قول سوء يُجانب ولا يُجالس، معتبرين أن كتابة الوحي فضيلة ثابته تنفي عنه مطاعن أخذ الخلافة بالسيف والغصب.
خلاصة الجواب
الادعاء بأن معاوية بن أبي سفيان كاتب للوحي وأن هذه الصفة توجب له الفضل والعدالة المطلقة وتمنع من نقده أو تكذيب ادعاء فضيلته.
الردود العلمية (١)
نقض دعوى فضيلة كتابة الوحي لمعاوية وبيان عدم عصمتها لصاحبها
أولاً: واقع كتابة الوحي وتعدد الكُتّاب
لم تكن كتابة الوحي أو الرسائل للنبي ﷺ حكراً على شخص بعينه، بل كتب له العشرات من الصحابة في مكة والمدينة؛ فمنهم أُبي بن كعب (أول من كتب له بالمدينة)، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، والخلفاء الأربعة، والزبير بن العوام، وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع، وغيرهم كما ذكر ابن حجر في فتح الباري.
ثانياً: كتابة الوحي لا تقتضي العدالة ولا العصمة
إن مجرد كتابة الوحي أو قيد التكليف بها لا يُعدّ معياراً على حسن العاقبة أو ثبوت العدالة المطلقة؛ وأوضح دليل على ذلك حالة عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فقد كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ، ثم ارتد ولحق بمشركي قريش وكان يغير في كتابة الآيات ويقول: «إنّي أصرِف محمداً حيث شئت»، فأنزل الله فيه: {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [الأنعام: 93].
وقد أهدر النبي ﷺ دمه يوم فتح مكة ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة، ولم يُبايعه إلا بعد استئمان ومراجعة ملحة من أخيه من الرضاعة عثمان بن عفان، مع إعراب النبي ﷺ عن رغبته في قتله لو قام إليه أحد الصحابة.
ثالثاً: النتيجة
تبيّن المراجع التاريخية والحديثية أن الاحتجاج بـ "كتابة الوحي" لإثبات العدالة المطلقة أو درء المطاعن السياسية والعقائدية عن معاوية بن أبي سفيان هو احتجاج غير تام؛ إذ إن هذه الوظيفة اشترك فيها البر والفاجر، ولم تمنع من ارتداد بعض من زاولها كابن أبي سرح، فضلاً عن أن كتابة معاوية كانت في أصلها للرسائل والرقع وليست للوحي خاصة بعد إسلامه المتأخر يوم الفتح.
الآيات المستدل بها
﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾
الأنعام : 93 — نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد ارتداده وافتراءات تحريفه لكتابة الوحي
الأحاديث المستدل بها
«لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ... فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَاخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ، فَجَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ بَايَعَهُ بَعْدَ الثَّلَاثِ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدَيَّ عَنْهُ فَيَقْتُلُهُ... قَالَ: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ»
مصعب بن سعد عن أبيه (سعد بن أبي وقاص) • فتح الباري لابن حجر (أخرجه الحاكم وابن سعد والدارقطني) • صحيح
المراجع الأصلية
- معرفة الصحابة— أبو نعيم الأصبهانيج 3(1670)
- فتح الباري شرح صحيح البخاري— ابن حجر العسقلانيج 9(22)
- السنة— أبو بكر الخلالج 2(434)
- التيسير في أحاديث التفسير— محمد المكي الناصريج 3(373)
- الأحكام السلطانية— الماورديج 1(168)